
تعتبر مسألة التطور من أكثر المسائل إثارة للجدل في الحوار القائم بيننا كعلمانيين وبين المتدينين مسلمين كانوا أو يهود أو مسيحيين , وربما لا نكون متجنيين إن قلنا بأن هذه النقطة بالذات قد تكون سبباً كافياً للكثيرين كي ينزعوا من عقولهم آفة الإيمان وللأبد , إذ أن المتمعن في هذه المسألة سوف يصل إلى قناعة تامة باستحالة التوفيق بينها وبين الاعتقاد الديني القائم على التصميم الذكي للكون والحياة , وهنا يجب أن ألفت انتباهكم أولاً إلى أن الحديث عن التطور لن يكون مفهوماً قبل الحديث عن مسلك آخر في العلم , وهو أصل الحياة , فالتطور مختص بتطور الكائنات الحية من خلية أولى بدائية إلى ما نراه اليوم من تعدد وتنوع كبير في أشكال الحياة , أما الحديث عن أصل الحياة فهو يسبق الحديث عن التطور , وهو يتناول مسألة انتقال المادة من الموت إلى الحياة و وعن كيفية نشوء الحي من الميت , ومن هنا يجيء الخلط الفاضح الذي يمارسه المؤمنون حيث يخلطوا بين المسألتين وبصورة تجعلنا واثقين من أنهم لم يقرؤوا حرفاً واحدا من العلوم الحديثة , حيث دائماً يطلب منا المؤمنون أن نثبت تلك الحقيقة العلمية بأن نخلق لهم كائناً حياً , ولم يستطع أولئك الناس التفريق بين أصل الحياة والتطور الذي جاء بعده .

ومقالي اليوم ليس للحديث عن التطور وأصل الحياة كحقائق مسلمة ( رغم إيماني الشديد بها ) ولكني سأعرض لكم ما يدل على إمكانية حدوثها , وذلك لم يأت بالطبع من خلال فرضيات تخيلية , ولكنه يجيء من خلال مشاهدات العلم الحديث للتنوع الحيوي والبيولوجي على سطح الأرض .
كلمة السر في الحديث عن أصل الحياة والتطور هو أن نذكركم بأن عمر الأرض هو حوالي 4.5 مليار سنة , وخلال هذه الفترة الطويلة جداً , أتيحت للحياة على كوكبنا أن تنشأ , والعلم لم يقل يوماً بأن الحياة قد نشأت على الأرض مرة واحدة كما تدعي الأديان , بل كان هناك مخاضاً عسيراً لها , وكان طول العهد والزمان كفيلاً بتحقيق ما وصلنا إليه اليوم .
ويعتقد الجاهلون بنظرية التطور بأنها قائمة فقط على أن الكون هذا كله مجرد صدفة !! صدفة فقط , ولا شيء غير ذلك !
بالطبع لا وألف لا , ولكن حتى نوضح لكم كيف للصدفة أن تكون فعلاً هي سبب نشأة هذا العالم الجميل , فدعوني بداية أضرب لكم مثلاً تعرفونه جيداً , وهو الإنسان .
ربما لا أكون مبالغاً عندما أقول وبكل ثقة بأن أكبر نجاح يحققه الإنسان , هو بالأحرى نجاح الحيوان المنوي الذي جاء منه بالفوز ببويضة مخصبة كي يستطيع أن يكمل طريقه نحو تشكيل الإنسان .
كيف حدث ذلك ؟؟؟

دعونا نتكلم بلغة الأرقام والاحتمالات , فلو كنت عزيزي في سباق ويشترك فيه مليون متسابق , فما هي فرصتك بالفوز في هذا السباق ؟ هي واحد على مليون , ولو افترضنا أنك قد قمت بخوض مليون سباق وفي كل سباق مليون متسابق فإن احتمال فوزك في واحدة منها يكون مقبولاً من الناحية العلمية .
بالعودة للحيوانات المنوية , فدعونا نقول بأن رجلاً ما سوف ينجب طفلا واحدا كل عامين ,
عامين = 24 شهر
كل شهر = 5 مرات يجامع فيها زوجته على أقل تقدير
كل مرة يجامع زوجته سوف يقذف منيه وفيه ما لا يقل عن مائة مليون حيوان منوي .
بحسبة بسيطة فسوف يكون هناك ما لا يقل عن 12 مليار حيوان منوي , ومن كل هذا العدد الهائل فإن واحداً منها فقط هو من سيفوز بالبويضة الجاهزة للتخصيب , أي أن فرصة فوزه هي أقل من واحد على 12 مليار !!!!!! ورغم ذلك فقد نجح هذا الحيوان فيما لم ينجح به غيره من المليارات التي سوف تكون نهايتها الفناء .
هل هي مجرد حظ !!! طبعاً لا , فالصدفة تحتاج للظروف المواتية , والتي بدونها لن تحدث أبداً أية عملية تخصيب , فبدون وجود البويضة فلن يكون مصير تلك الحيوانات غير الموت انتظاراً وترقباً .
إذن فالصدفة موجودة في حياتنا يومياً وتتكرر ملايين المرات .

بالعودة إلى نشأة الحياة على الأرض , فإن الصدفة التي نتكلم عنها لم تأتي كي توجد كائناً حياً ( خبط لزق ) كما يدعي معارضو نظريات التطور , فالمؤمن عندما يريد أن يجادل في أصل الحياة , فقد ارتبط في عقله مسألة الخلق الكامل , أي أن الكائن الحي قد نشأ كاملاً بجميع أعضائه وأنسجته وخلاياه الحية مرة واحدة , وعلى الصورة التي نعرفها اليوم .
آسف إن كنت سوف أزعجكم إخواني المؤمنين بنفي هذا التصور , وذلك ليس من حب في الجدال , أو رغبة في هدم الدين , بل نحن طلاّب علم ومعرفة , ونريد أن نصل إلى الحقيقة , حتى ولو أدى هذا بنا للخروج عن المألوف وما هو تقليدي من تفكير .
يتكلم علم الجيولوجيا عن أن تاريخ الأرض قد شهد عهوداً طويلة وذلك منذ قرابة 4.5 مليار سنة , ولم يكن على الأرض في المليار سنة الأولى ( على الأقل ) أي شكل من أشكال الحياة , بل يحدثنا عن عصور كانت الكلمة الأولى فيها للبراكين والنيازك المتساقطة , وبالتالي عن ظروف أدت لنشأة الشكل الأول من الحياة .
ولا يزال العلم لغاية هذه اللحظة متردداً في التفريق بين ما هو حي وما هو ميت , والواقع أن نشأة الحياة الأولى مرت بفترة التحول من الميت إلى أشباه الحياة , أو ما يعرف بالأحماض الأمينية , والتي هي عماد تكوين البروتينات , وجاءت أولى الخلايا البدائية عندما توافرت الظروف لتلك المواد بالاجتماع داخل غشاء واحد يجمعها .

ليس في يوم أو اثنين , عام أو عامين ,,, بل على مدار ملايين السنين خاضت تلك المادة الحية الأولى معاركها مع الظروف الطبيعية التي كانت سائدة على سطح الأرض آنذاك , لتبدأ الخلية بالتطور , وتأتي بعدها الظروف التي كانت تفرض نفسها على بعض الكائنات الحية , لتجبرها على التطور بعيداً عن أخوتها من الكائنات الحية , وطبعاً من الجدير ذكره مرة أخرى بأن ليس هناك من خط واضح يفصل بين ما هو حي وما هو ميت , وبالتالي فإن تلك الخلايا لم يكن لها أن تعتمد على المواد التي تتغذى بها الخلايا المتطورة في زمننا هذا , بل أن الظروف التي أحاطت بذلك الشكل الأول من الحياة قدمت لها المادة المناسبة للبقاء .
وعلى مدار ملايين السنين , تفرعت الكائنات الحية إلى ممالك وفصائل , وأدى هذا للمشهد الذي نراه اليوم .
ولكن هل لنا أن نسلّم بحدوث تلك الفرضية المذكورة دون نقاش ؟؟؟
بالطبع لا , وإلا لكنا قد ابتعدنا عن كنه العلم وأساليبه في البحث والاستقصاء , وهنا أسمح لنفسي باستعارة بعض الأسئلة التي يوجهها المؤمنون , لنقد تلك النظرية و ولنحاول معاً التوصل إلى جواب مقنع لها .
يقول المؤمن : إن كان التطور قد جعل من القرد إنساناً , فلماذا لا تتحول بقية القرود إلى بشر ؟؟؟
حسناً عزيزي , دعني أقول لك أولاً بأن نظريات التطور لم تقل بأن القرد هو أصل الجنس البشري , بل تقول بأن لهما أصلاً مشترك , وقد أثبت اكتشاف أخير , بوجود سلف مشترك للإنسان والقرود وهو ما يسمى آردي , ولعلك تذكر كيف فرح المسلمون وهللوا حينها لهذا الاكتشاف الذي يهدم نظرية داروين , كما ادعت حينها قناة الجزيرة , ولا أعلم هل كانوا يسخروا منا أم من أنفسهم !!! فالاكتشاف قال بأنه صحيح أن أصل الإنسان ليس قرداً , ولكنه استبدل القرد بمسخ آخر هو آردي , ولم يقل بأن الأصل هو أبونا آدم الميثولوجي , ولم يدعي الاكتشاف الجديد خروجاً عن التطور على الإطلاق,

أما ثانياً فالتطور ليس صفة تجتاح جنساً بأكمله , بل هي مرهونة بظرف معين تعرض له أحد أفراد نوع ما من الحيوانات ( طفرة على سبيل المثال ) , فيمضي ذلك النوع الجديد في التطور بعيداً عن أقرانه , بينما يبقى بقية أفراد النوع في إطار فصيلتهم .
هنا سوف يقول المؤمن : ولكن لو كان الإنسان هو كائن متطور كما تزعمون أيها الملحدون , فلماذا يبقى حتى الآن شعر على جسده , ولماذا يبقى غشاء البكارة رغم أنه سوف يكون مصيره الإزالة في الحياة الجنسية ؟؟؟
حسناً عزيزي . دعني أكمل سؤالك لأقول : ولماذا أيضا لا تختفي اليدان والعينان والأرجل والمخ !!!!!!!
من قال لك عزيزي بأن التطور يعني بأن الكائن سوف يفقد عضواً من جسده ؟؟؟ التطور يعني بظهور صفة مميزة في الكائن الحي تجعل منه قادراً على مواجهة الظروف الطبيعية , وهذا التغيير بالطبع مردّه الحاجة لذلك , أما إن اختفت الحاجة لذلك فسوف يتوقف التطور عند تلك النقطة,
ثم دعني أذكرك عزيزي بأن التطور هو مشوار ملايين السنين , وما نراه اليوم قد يكون في المستقبل بوجه آخر .
ودعونا كي نفهم هذه النقطة ننظر إلى الإنسان نفسه , فأجداد الإنسان الأول لم تكن على هيئة البشر الحاليين , وكثير من المؤمنين للأسف لا يعلمون بوجود جنس بشري عاش قبل الإنسان الحديث , وهو إنسان النياندرتال , وهو من أجداد الإنسان , والمميز فيه أنه كانت له بعض الصفات التي تجعله الأقرب إلى الإنسان الحديث , فرغم عدم مقدرة هذا الجنس عن تطوير لغته المتطورة ليتحادث بها , إلا أنه كانت له أساليب مشابهة لسلوك الإنسان , من السلوك الاجتماعي , وقدرته على الصيد , وذلك يشمل استخدامه لأدوات صيد , وهذا الكائن الحي كانت أعضاؤه مشابهة لحد كبير مع أعضاء الإنسان الحديث , ورغم ذلك لم تختفي تلك الأعضاء من الإنسان الحديث , بل طرأت تغييرات على بعضها دون المساس بالجوهر , وذلك قائم على أساس الحاجة , وأهم ما في الموضوع هو التطور العقلي , فالإنسان الحديث لم يكن بحاجة لكثير من التعديل على النياندرتال من الناحية الجسمانية , إلا أن التطور كان ملحاً جدا من الناحية العقلية والقدرة الذهنية التي مكنت جنسنا من الهيمنة على هذا العالم.
حسناً أعزائي يبدو أن الحديث عن التطور لم ينتهي بعد , وأخشى أن أكون قد اطلت الحديث عليكم , وللحديث بقية
أخوكم سهران






















