
دائماً ما نسمع في الوسائل الإعلامية عن فلان ويقال له العالم العلامة , والفقيه المحدث , وغيرها من ألقاب صارت شائعة وعلى مسمع من الجميع .
لا أعلم السبب ,لكن كلما سمعت لفظة عالم , أتذكر مقولة تنسب أحياناً لعلي بن أبي طالب يقول فيها : لا يزال المرء عالماً ما طلب العلم , فإن ظن أنه علم فقد جهل .
ويحاول المؤمنون جرنا للتصديق بأن هكذا لفظ موجود حتى في الغرب عندما نقول العالم أينشتاين أو فرويد و وفي الحقيقة فأصل الالتباس في هذا الموضوع هو في الترجمة الخاطئة لكلمة scientist وعندما نترجم هذه الكلمة حرفياً فإنها تكون بمعنى الشخص المشتغل بالعلم , وليس العالم العلامة كما لدى شيوخنا الجهلاء .
ولكن كيف نحكم على شخص ما بأنه عالم , ومن هو الشخص الذي يحق له بداية أن يسبغ صفة العالم على أحد الأشخاص ؟؟؟
في هذا الحديث نحن أمام تصورين غاية في الأهمية :
التصور الأول : كي يكون من حقي أن أطلق لقب العالم على شخص ما , فإن هذا يستوجب مني وبالضرورة أن أكون أكثر علماً منه , وهذا يعني أنه لن يستحق صفة العالم لأن لدي علماً أكثر من عنده وليس موجوداً لديه , وبالمحصلة فأنا لست بحاجة إليه كي آخذ العلم منه .
التصور الثاني : وهو الموجود فعلياً على أرض الواقع , أن الشخص الذي لديه القليل من العلم سوف يطلق صفة العالم على رجل يظن أنه أكثر علماً منه , وهنا يكون الاستدلال فاسد من أصله , فكيف يحق للدهماء والعامة إطلاق المرتبة العلمية وهم ليسوا أهل علم .
هذا هو ما نراه في حياتنا اليوم , فيكفي أن تسأل أي رجل في الشارع عن المدعو يوسف القرضاوي مثلاً , وفوراً سوف يطلق عليه لفظة العالم العلامة , وبالرجوع إلى التصورين السابقين , فإن رجل الشارع هذا إما أن يكون أكثر علماً من القرضاوي كي يحكم له بالعلم ورجاحة العقل , وبالتالي أصبح بغير حاجة للسماع لهذا الرجل , أو أنه يحكم على نفسه بأنه أقل علماً من هذا العالم , وبالتالي فإن رجل الشارع ليس من حقه منح تلك المرتبة العلمية وهو لا يملك العلم أصلاً .
في كل المؤسسات الأكاديمية المحترمة , فإنه كي يصبح الواحد حاصلاً على شهادة الدكتوراه , فإنه لن يأخذها إلا بتصريح من أناس أكثر رقياً منه في العلم , أما في عالمنا العربي , فإن أجهل الناس لا مانع لديهم من القيام بمنح تلك الشهادة لأناس يظنوهم أكثر علماً .

وبالطبع أعزائي فأنا لا أثير هذا الموضوع من أجل أن أشهر فقط بالناس الذين يدعون العلم , ولكن تصبح المسألة مثيرة للاستفزاز عندما تبدأ بمناقشة أحدهم , وتجد فجأة أنك محروم من الحديث في هكذا موضوع لأنك لست عالماً بالدين !! وأعجب لدين يقال بأنه دين الفطرة , وأن تعاليمه سهلة وواضحة , ونجد أن قلة قليلة من معتنقيه من بحق لهم التكلم في مسائله , بل وحتى تلك الفئة القليلة فأغلب غرائب الدين سوف يتم ترحيلها فوراً وبدون نقاش إلى العلم الإلهي الغيبي الذي لا يعلمه إلا الله , وبعدها يأتي الواحد منهم وبكل وقاحة ليعلنها بأن دينه دين الفطرة والحمد لله على نعمة الإسلام !!
عندما تحاور مسلماً فإنه في بداية الأمر لن يكون لديه شك بأنه قادر على سحقك وكرمشتك وإفحامك بالقول والحجة الدامغة , وبمجرد أن يبدأ النقاش بالدخول في التفاصيل الحرجة , فإذ بالأخ المؤمن يتهرب من النقاش ويطلب منك أن تناقش أهل العلم , ويقول لك بأن هناك علماء يفهموا في الدين أكثر مني , وكأنه بذلك يريد تعجيزنا في الحوار , ولا أعلم كيف سأدخل على علمائهم وأناقشهم , ولكن مهلاً عزيزي المؤمن , فقبل أن تصف هذا الرجل بصفة العلم فيجب أن تثبت لي بأنك أكثر علماً منه , وبالتالي فلسنا بحاجة لتدخل سيدنا الشيخ للحوار , أو أن تعترف بأنك لست مؤهلاً لمنحه هذه المرتبة فدعنا نكمل نقاشنا , وليتك أخي المؤمن تقنعني بدينك الذي أنت مستعد دوماً لقتلي إن لم أؤمن به .

تبلغ الوقاحة درجاتها العليا عندما ينهي الأخ المتدين الحوار بذكر المقولة المشهورة لإمامهم الشافعي : حاورت عالماً فغلبته , وحاورت جاهلاً فغلبني , ويستدلون بها على أن الجاهل دائم يتغلب في النقاش على العالم , وكأني بك يا شافعي حكمت على نفسك بالجهل عندما غلبت العالم .
تحياتي للعقلاء
أخوكم سهران

























